وفي خضم هذا الهدوء الذي ادّعيتُه، بدأ سؤال مزعج يطرق رأسي بلا رحمة:
ماذا لو لم يكن ما أشعر به سوى فراغ يبحث عمّن يملؤه؟
ماذا لو كانت مجرد تسلية مؤقتة، محاولة يائسة لإقناع نفسي أنني تجاوزت ما لم أتجاوزه أصلًا؟
كنت أقول لنفسي إنني أحب صديقتي القديمة.
تلك التي لم تغادرني يومًا، رغم أنها غادرت حياتي.
تلك التي لا يزال اسمها يعيش في زاوية لا يصلها أحد.
كانت مسكن روحي، أول يد أمسكت بقلبي، أول من علّمني معنى أن يكون لك شخص يشبهك حتى في صمتك.
كيف لي أن أسمح لأحد أن يقترب من مكانها؟
كيف أجرؤ حتى على التفكير أن هناك من يمكن أن يشاركها المساحة نفسها داخلي؟
أضحك أحيانًا حين تخطر لي الفكرة.
أقول بسخرية خفيفة: مستحيل.
لا أحد يأخذ مكانها.
لا أحد يكون “هي”.
أقنع نفسي أن ما يحدث الآن مجرد انعكاس للوحدة،
أنني فقط أخاف أن أبقى وحدي،
فأبحث عن ظل يشبه دفئها.
لكن المشكلة أن الظلال لا تملك هذا الضوء.
وهي… لم تكن ظلًا.
كلما حاولت مقارنتها بالماضي، شعرت بالذنب.
كأنني أخون ذكرى لم تمت،
أو أستبدل حبًا حقيقيًا بشعور عابر.
كنت أكرر لنفسي:
هذا مجرد إعجاب.
مجرد ارتياح.
مجرد صداقة أخرى ستمرّ كما مرّت غيرها.
لكن لماذا إذن يضطرب قلبي حين تبتعد؟
لماذا لا يشبه حضورها حضور أي شخص آخر؟
لماذا لا أستطيع أن أضعها في خانة “العابرة” مهما حاولت؟
الحقيقة التي كنت أهرب منها أنني لم أعد أقارن بينهما لأنني أريد استبدال إحداهما بالأخرى،
بل لأنني أخاف أن يكون قلبي قادرًا على الاتساع… لأكثر من ألم، وأكثر من حب.
صديقتي القديمة كانت بداية روحي.
لكن هل يعني هذا أن روحي توقفت هناك؟
كنت أظن أن الوفاء يعني الجمود،
أن الحب الصادق لا يتكرر،
أن من يسكنك أولًا يظل الوحيد.
لكنني بدأت أرتبك.
لأن الشعور الجديد لم يطلب إذنًا،
لم ينتظر أن أفرغ من حزني القديم،
لم يسألني إن كنت مستعدة.
جاء ببساطة،
وجلس في قلبي،
وضع نفسه في مكان لا يشبه الماضي… ولا ينافسه.
وربما هذا أكثر ما أخافني.
لأنني لو اعترفت أن ما أشعر به حقيقي،
فلن أستطيع الاختباء خلف فكرة “الفراغ” بعد الآن.
سأضطر أن أواجه أن قلبي… لم يمت مع الحب الأول،
وأنه قادر، رغم كل شيء، أن ينبض من جديد.
لكن هل أسمح له؟
أم أبقى مخلصة لذكرى كانت يومًا مسكن روحي…
حتى لو بقيتُ أنا بلا مسكن؟ 🖤
لم يكن الصراع هادئًا كما كنت أظن.
كان أشبه بحرب صامتة تدور داخلي، لا يسمع صوتها أحد سواي.
أيام أستيقظ فيها مقتنعة تمامًا أن ما أشعر به وهم.
أقول لنفسي بحزم: هذا حنين قديم يتشكل في هيئة جديدة، لا أكثر. أنتِ فقط تشتاقين لمن كانت يومًا مسكن روحك، فتحاولين أن تجدي ظلها في وجه آخر.
أتعامل معها ببرود محسوب، أضع مسافة صغيرة بيننا، أراقب نفسي وكأنني أختبر صدق مشاعري.
وأقنع نفسي أنني بخير.
أن قلبي مطيع، وأنه لن يخون ذكرى أحبها أولًا.
ثم يأتي يوم آخر…
تبتسم فيه لي ابتسامة عابرة،
أو تمسك يدي بلا تفكير،
أو تقول لي “وجودك فارق معايا” بنبرة صادقة…
فيسقط كل ثباتي دفعة واحدة.
أجد نفسي أشتاق لها في نفس اللحظة التي أحاول فيها الهروب منها.
أريد الاقتراب… وأخاف الاقتراب.
أمد يدي نحوها داخليًا… ثم أسحبها مذعورة.
أحيانًا أشتاق لصديقتي القديمة بشراسة،
أفتح ذكرياتها كأنني أختبر ولائي.
أستحضر صوتها، ضحكتها، الطريقة التي كانت تنظر إليّ بها وكأنني عالمها كله.
أبكي بصمت، وأشعر بالذنب لأن قلبي تجرأ وفكر بغيرها.
ثم أسأل نفسي بمرارة:
هل الحب الأول هو الحقيقة الوحيدة؟
أم أنه كان بداية فقط… وأنا من جمّدته عند تلك النقطة؟
أخاف أن أكون أستبدل ألمًا بألم أخف.
أخاف أن أكون أستخدمها كضمادة لجرح لم يلتئم.
وأخاف أكثر… أن أكون أحبها فعلًا.
لأن الحب يعني المجازفة.
يعني أن أعترف أن قلبي لم يعد كما كان.
يعني أن أقبل أن هناك من أصبحت تهمني بقدرٍ لا يمكن إنكاره.
وفي أكثر اللحظات صدقًا، أعترف لنفسي أنني لا أبحث عن نسخة من الماضي فيها.
هي لا تشبهها.
لا في صوتها، ولا في حضورها، ولا حتى في الطريقة التي تجعلني أرتبك.
وهذا ما يربكني أكثر.
لو كانت مجرد بديل، لكان الأمر أسهل.
كنت سأقسو على نفسي، وأغلق الباب، وأعود إلى ذكرى آمنة لا تتغير.
لكنها ليست بديلًا.
هي احتمال جديد.
وهذا الاحتمال يخيفني.
تتغير مشاعري كمدٍّ وجزر.
يوم أبتعد وأقول انتهى.
ويوم أعود وأجدني أذوب من نظرة.
يوم أقاوم،
ويوم أستسلم لفكرة أن قلبي قد اختار دون أن يستشيرني.
وفي كل مرة أظن أنني حسمت أمري،
يحدث شيء صغير يعيدني إلى نقطة البداية.
رسالة قصيرة.
اهتمام مبالغ فيه.
غيرة لا أستطيع تفسيرها.
فأدرك أن الصراع لم ينتهِ…
وأنه ربما لن ينتهي إلا حين أواجه نفسي بالحقيقة كاملة.
الحقيقة التي أخافها،
وأشتاق إليها في الوقت نفسه:
أنني لم أعد أحب الماضي وحده،
وأن قلبي، رغم كل وفائه،
تعلم أن ينبض مرة أخرى… بطريقة مختلفة،
لا تلغي ما كان،
ولا تنكره،
لكنها تخلق شيئًا جديدًا…
شيئًا اسمه هي. 🖤. ❝ ⏤نورا ربيع العيسوي
❞ الفصل الثالث
وفي خضم هذا الهدوء الذي ادّعيتُه، بدأ سؤال مزعج يطرق رأسي بلا رحمة:
ماذا لو لم يكن ما أشعر به سوى فراغ يبحث عمّن يملؤه؟
ماذا لو كانت مجرد تسلية مؤقتة، محاولة يائسة لإقناع نفسي أنني تجاوزت ما لم أتجاوزه أصلًا؟
كنت أقول لنفسي إنني أحب صديقتي القديمة.
تلك التي لم تغادرني يومًا، رغم أنها غادرت حياتي.
تلك التي لا يزال اسمها يعيش في زاوية لا يصلها أحد.
كانت مسكن روحي، أول يد أمسكت بقلبي، أول من علّمني معنى أن يكون لك شخص يشبهك حتى في صمتك.
كيف لي أن أسمح لأحد أن يقترب من مكانها؟
كيف أجرؤ حتى على التفكير أن هناك من يمكن أن يشاركها المساحة نفسها داخلي؟
أضحك أحيانًا حين تخطر لي الفكرة.
أقول بسخرية خفيفة: مستحيل.
لا أحد يأخذ مكانها.
لا أحد يكون “هي”.
أقنع نفسي أن ما يحدث الآن مجرد انعكاس للوحدة،
أنني فقط أخاف أن أبقى وحدي،
فأبحث عن ظل يشبه دفئها.
لكن المشكلة أن الظلال لا تملك هذا الضوء.
وهي… لم تكن ظلًا.
كلما حاولت مقارنتها بالماضي، شعرت بالذنب.
كأنني أخون ذكرى لم تمت،
أو أستبدل حبًا حقيقيًا بشعور عابر.
كنت أكرر لنفسي:
هذا مجرد إعجاب.
مجرد ارتياح.
مجرد صداقة أخرى ستمرّ كما مرّت غيرها.
لكن لماذا إذن يضطرب قلبي حين تبتعد؟
لماذا لا يشبه حضورها حضور أي شخص آخر؟
لماذا لا أستطيع أن أضعها في خانة “العابرة” مهما حاولت؟
الحقيقة التي كنت أهرب منها أنني لم أعد أقارن بينهما لأنني أريد استبدال إحداهما بالأخرى،
بل لأنني أخاف أن يكون قلبي قادرًا على الاتساع… لأكثر من ألم، وأكثر من حب.
صديقتي القديمة كانت بداية روحي.
لكن هل يعني هذا أن روحي توقفت هناك؟
كنت أظن أن الوفاء يعني الجمود،
أن الحب الصادق لا يتكرر،
أن من يسكنك أولًا يظل الوحيد.
لكنني بدأت أرتبك.
لأن الشعور الجديد لم يطلب إذنًا،
لم ينتظر أن أفرغ من حزني القديم،
لم يسألني إن كنت مستعدة.
جاء ببساطة،
وجلس في قلبي،
وضع نفسه في مكان لا يشبه الماضي… ولا ينافسه.
وربما هذا أكثر ما أخافني.
لأنني لو اعترفت أن ما أشعر به حقيقي،
فلن أستطيع الاختباء خلف فكرة “الفراغ” بعد الآن.
سأضطر أن أواجه أن قلبي… لم يمت مع الحب الأول،
وأنه قادر، رغم كل شيء، أن ينبض من جديد.
لكن هل أسمح له؟
أم أبقى مخلصة لذكرى كانت يومًا مسكن روحي…
حتى لو بقيتُ أنا بلا مسكن؟ 🖤
لم يكن الصراع هادئًا كما كنت أظن.
كان أشبه بحرب صامتة تدور داخلي، لا يسمع صوتها أحد سواي.
أيام أستيقظ فيها مقتنعة تمامًا أن ما أشعر به وهم.
أقول لنفسي بحزم: هذا حنين قديم يتشكل في هيئة جديدة، لا أكثر. أنتِ فقط تشتاقين لمن كانت يومًا مسكن روحك، فتحاولين أن تجدي ظلها في وجه آخر.
أتعامل معها ببرود محسوب، أضع مسافة صغيرة بيننا، أراقب نفسي وكأنني أختبر صدق مشاعري.
وأقنع نفسي أنني بخير.
أن قلبي مطيع، وأنه لن يخون ذكرى أحبها أولًا.
ثم يأتي يوم آخر…
تبتسم فيه لي ابتسامة عابرة،
أو تمسك يدي بلا تفكير،
أو تقول لي “وجودك فارق معايا” بنبرة صادقة…
فيسقط كل ثباتي دفعة واحدة.
أجد نفسي أشتاق لها في نفس اللحظة التي أحاول فيها الهروب منها.
أريد الاقتراب… وأخاف الاقتراب.
أمد يدي نحوها داخليًا… ثم أسحبها مذعورة.
أحيانًا أشتاق لصديقتي القديمة بشراسة،
أفتح ذكرياتها كأنني أختبر ولائي.
أستحضر صوتها، ضحكتها، الطريقة التي كانت تنظر إليّ بها وكأنني عالمها كله.
أبكي بصمت، وأشعر بالذنب لأن قلبي تجرأ وفكر بغيرها.
ثم أسأل نفسي بمرارة:
هل الحب الأول هو الحقيقة الوحيدة؟
أم أنه كان بداية فقط… وأنا من جمّدته عند تلك النقطة؟
أخاف أن أكون أستبدل ألمًا بألم أخف.
أخاف أن أكون أستخدمها كضمادة لجرح لم يلتئم.
وأخاف أكثر… أن أكون أحبها فعلًا.
لأن الحب يعني المجازفة.
يعني أن أعترف أن قلبي لم يعد كما كان.
يعني أن أقبل أن هناك من أصبحت تهمني بقدرٍ لا يمكن إنكاره.
وفي أكثر اللحظات صدقًا، أعترف لنفسي أنني لا أبحث عن نسخة من الماضي فيها.
هي لا تشبهها.
لا في صوتها، ولا في حضورها، ولا حتى في الطريقة التي تجعلني أرتبك.
وهذا ما يربكني أكثر.
لو كانت مجرد بديل، لكان الأمر أسهل.
كنت سأقسو على نفسي، وأغلق الباب، وأعود إلى ذكرى آمنة لا تتغير.
لكنها ليست بديلًا.
هي احتمال جديد.
وهذا الاحتمال يخيفني.
تتغير مشاعري كمدٍّ وجزر.
يوم أبتعد وأقول انتهى.
ويوم أعود وأجدني أذوب من نظرة.
يوم أقاوم،
ويوم أستسلم لفكرة أن قلبي قد اختار دون أن يستشيرني.
وفي كل مرة أظن أنني حسمت أمري،
يحدث شيء صغير يعيدني إلى نقطة البداية.
رسالة قصيرة.
اهتمام مبالغ فيه.
غيرة لا أستطيع تفسيرها.
فأدرك أن الصراع لم ينتهِ…
وأنه ربما لن ينتهي إلا حين أواجه نفسي بالحقيقة كاملة.
الحقيقة التي أخافها،
وأشتاق إليها في الوقت نفسه:
أنني لم أعد أحب الماضي وحده،
وأن قلبي، رغم كل وفائه،
تعلم أن ينبض مرة أخرى… بطريقة مختلفة،
لا تلغي ما كان،
ولا تنكره،
لكنها تخلق شيئًا جديدًا…
شيئًا اسمه هي. 🖤. ❝
❞ روايه اميره الصمت الحزين الجزء الثاني من صفحه٤١ الي٤٠
الصفحة 41
انتشر خبر مقتل سليم في كل مكان.
المدينة انقسمت بين من يشمت ومن يرتعب.
أما ليان، فصارت حديث الناس كلها.
قالوا: \"العروس التي حملت الموت في زفافها.\"
لكنها لم تبالِ، فقد كانت تخطط للخطوة القادمة.
(41)
---
الصفحة 42
كمال جاءها مسرعًا: \"ليان، الوضع خطير… كل الأصابع تشير إليك.\"
ابتسمت بمرارة:
\"أنا لم أطعن أبي… لكنني زرعت كل الطعنات في قلبه قبل موته.\"
ثم أضافت: \"سأتحمل اللعنة… ما دمت قد كسرت السلسلة.\"
(42)
---
الصفحة 43
الشرطة استجوبتها لساعات طويلة.
لكنها بقيت صامدة، لا تعترف بشيء.
قال المحقق: \"أنتِ تعرفين أكثر مما تقولين.\"
أجابت ببرود:
\"أعرف أن الموت أرحم من حياة بلا روح.\"
نظر إليها بدهشة، كأنها لغز يستعصي على الحل.
(43)
---
الصفحة 44
في الليل، عادت إلى غرفتها.
جلست أمام الدفتر الأسود، تقلب صفحاته.
كتبت: \"الدماء لم تكن نهايتي… بل كانت البداية لوجع أعظم.\"
ثم أغلقت الدفتر وهي ترتجف.
شعرت أن الظلال تتبعها، كأنها لم تتحرر بعد.
(44)
---
الصفحة 45
سلمى جاءت تزورها.
قالت لها باكية: \"أخاف أن تخسري نفسك يا ليان.\"
لكن ليان أمسكت بيدها وقالت:
\"أنا خسرت نفسي من زمان… وما تبقى مني مجرد حرب تمشي على قدمين.\"
سلمى بكت أكثر، كأنها ترى صديقتها تذوب أمامها.
(45)
---
الصفحة 46
أحد رجال سليم ظهر فجأة، يهددها.
قال: \"سقط سيدنا، لكننا لم نسقط… والدم بالدم.\"
نظرت إليه بشجاعة وقالت:
\"قول لسيدك في قبره… أن ابنته مازالت واقفة.\"
ارتبك، لكنه انسحب وهو يرمقها بنظرة مليئة بالوعيد.
(46)
---
الصفحة 47
كمال حاول إقناعها بالهرب من المدينة.
\"لو بقيتِ هنا، سيلتهمونك.\"
لكنها هزت رأسها:
\"الهروب موت جبان… أما أنا فلا أموت إلا واقفة.\"
كانت كلماتها حديدًا، لكن قلبها ينزف صمتًا.
(47)
---
الصفحة 48
في أحلامها، عادت ترى آدم.
ابتسم لها من بعيد، مد يده نحوها.
قال لها بصوت خافت: \"عودي… لم يتأخر الوقت.\"
استيقظت والدموع تبلل وجهها.
همست: \"أنت قبري وحياتي يا آدم.\"
(48)
---
الصفحة 49
بدأت تتلقى رسائل غامضة.
كلمات قصيرة: \"نحن نراقبك… نهايتك قريبة.\"
كانت تعرف أن معركة جديدة قادمة.
لكنها لم ترتعب، بل كتبت في دفترها:
\"كلما اقتربوا… اقترب موتهم.\"
(49)
---
الصفحة 50
وقفت على شرفة غرفتها، تنظر إلى سماء بلا نجوم.
همست: \"يا آدم… إن عاد قلبي فلن يعود إلا لك.\"
أغلقت عينيها، والريح تعصف بثوبها كأنها على وشك الطيران.
ثم قالت جملة أخيرة قبل أن تغادر الشرفة:
\"غدًا… سأكتب النهاية بيدي.\"
(50). ❝ ⏤الكاتبه /إيمان يوسف احمد
❞ روايه اميره الصمت الحزين الجزء الثاني من صفحه٤١ الي٤٠
الصفحة 41
انتشر خبر مقتل سليم في كل مكان.
المدينة انقسمت بين من يشمت ومن يرتعب.
أما ليان، فصارت حديث الناس كلها.
قالوا: ˝العروس التي حملت الموت في زفافها.˝
لكنها لم تبالِ، فقد كانت تخطط للخطوة القادمة.
(41)
-
الصفحة 42
كمال جاءها مسرعًا: ˝ليان، الوضع خطير… كل الأصابع تشير إليك.˝
ابتسمت بمرارة:
˝أنا لم أطعن أبي… لكنني زرعت كل الطعنات في قلبه قبل موته.˝
ثم أضافت: ˝سأتحمل اللعنة… ما دمت قد كسرت السلسلة.˝
(42)
-
الصفحة 43
الشرطة استجوبتها لساعات طويلة.
لكنها بقيت صامدة، لا تعترف بشيء.
قال المحقق: ˝أنتِ تعرفين أكثر مما تقولين.˝
أجابت ببرود:
˝أعرف أن الموت أرحم من حياة بلا روح.˝
نظر إليها بدهشة، كأنها لغز يستعصي على الحل.
(43)
-
الصفحة 44
في الليل، عادت إلى غرفتها.
جلست أمام الدفتر الأسود، تقلب صفحاته.
كتبت: ˝الدماء لم تكن نهايتي… بل كانت البداية لوجع أعظم.˝
ثم أغلقت الدفتر وهي ترتجف.
شعرت أن الظلال تتبعها، كأنها لم تتحرر بعد.
(44)
-
الصفحة 45
سلمى جاءت تزورها.
قالت لها باكية: ˝أخاف أن تخسري نفسك يا ليان.˝
لكن ليان أمسكت بيدها وقالت:
˝أنا خسرت نفسي من زمان… وما تبقى مني مجرد حرب تمشي على قدمين.˝
سلمى بكت أكثر، كأنها ترى صديقتها تذوب أمامها.
(45)
-
الصفحة 46
أحد رجال سليم ظهر فجأة، يهددها.
قال: ˝سقط سيدنا، لكننا لم نسقط… والدم بالدم.˝
نظرت إليه بشجاعة وقالت:
˝قول لسيدك في قبره… أن ابنته مازالت واقفة.˝
ارتبك، لكنه انسحب وهو يرمقها بنظرة مليئة بالوعيد.
(46)
-
الصفحة 47
كمال حاول إقناعها بالهرب من المدينة.
˝لو بقيتِ هنا، سيلتهمونك.˝
لكنها هزت رأسها:
˝الهروب موت جبان… أما أنا فلا أموت إلا واقفة.˝
كانت كلماتها حديدًا، لكن قلبها ينزف صمتًا.
(47)
-
الصفحة 48
في أحلامها، عادت ترى آدم.
ابتسم لها من بعيد، مد يده نحوها.
قال لها بصوت خافت: ˝عودي… لم يتأخر الوقت.˝
استيقظت والدموع تبلل وجهها.
همست: ˝أنت قبري وحياتي يا آدم.˝
(48)
-
الصفحة 49
بدأت تتلقى رسائل غامضة.
كلمات قصيرة: ˝نحن نراقبك… نهايتك قريبة.˝
كانت تعرف أن معركة جديدة قادمة.
لكنها لم ترتعب، بل كتبت في دفترها:
˝كلما اقتربوا… اقترب موتهم.˝
(49)
-
الصفحة 50
وقفت على شرفة غرفتها، تنظر إلى سماء بلا نجوم.
همست: ˝يا آدم… إن عاد قلبي فلن يعود إلا لك.˝
أغلقت عينيها، والريح تعصف بثوبها كأنها على وشك الطيران.
ثم قالت جملة أخيرة قبل أن تغادر الشرفة:
˝غدًا… سأكتب النهاية بيدي.˝
(50). ❝
اليوم عادت أكان (أحمر عميق) لوطن لم تكبر فيه، وطن عاشت عمرها كله غريبة عنه، لكن والديها زرعا فيها حبه والتوق له، فلقد هاجر والدها ريز(الصيف) ووالدتها كونرادين (غير مطيع) منذ زمن هربًا من رجال ط*ا*ل*ب*ا*ن فلقد كان ريز ذو فكر تحرري مستنير لم يؤمن أبدًا بتلك المعتقدات المتشددة وكان واثقًا من سماحة تعاليم الإسلام وبأنه لم يكن أبدًا ليفرض هكذا ولا بتلك الطريقة التي يفعلها بها رجال تلك الحركة، فرضوا الأحكام الرهيبة ونفذوها، كانت مشاعر الحب بين كونرادين وريز متقدة، كانا عاشقين نيتهما الزواج، إلى أن جاء ذلك القائد سانديب(احتراق) وعسكر بالمدينة، وفرض الأحكام على الكل وفرض على النساء لبس البروكا(البرقع الأف*غ*ا*ن*ي) الأزرق وعلى الرجال ارتداء اليشمر(زي الرجال) وبينما كانت كونرادين تسير مضطربة الخطا في الشارع تحاول التمسك بالبروكا في ظل الهواء الشديد وهي تحدث نفسها (تبًا لهم أنا بمفردي لم أكن استطيع السير بالهواء، ليأتي هذا البروكا ليزيد اضطرابي)
فتحرك البروكا وكانت هي تحاول أن تعدل من وضعه، ليجذبه سانديب عنها ويكشف وجهها وهو يصيح (تحاولين إغواء الرجال يا امرأة! أيتها اللعينة...
لكنه لم يستطع إجمال كلماته فلقد أسره جمال كونرادين، وقف صامتًا يتأملها بينما ترتجف هي رعبًا، فلقد وصل لمسامعها بالطبع ما يفعلونه بالنساء المخالفات لهم ولتعاليمهم، وزاد رعبها وعيناها تتعلق بذلك الرشاش الآلي المعلق بذراعه، ومدت يدها تتوسله أن يعطيها البروكا
- صدقني أيها القائد لم أكن لأفعل ذلك أبدًا، إنه الهواء، وأنا ما زلت حديثة العهد بارتداء هذا البروكا، سامحني أرجوك.
ناولها إياه وهو صامت ولم تكن هذه أبدًا بعادته، تناولته منه في عجالة وارتدته،
أسرعت الخطا لمنزلها بينما يتابعها بعينيه، التفت وقال لأحد مساعديه:
- أسامة، أريد كل معلومات عن هذه الفتاة.
ابتسم أسامة ابتسامة خبيثه: لقد نالت من قلبك تلك الشمطاء.
صرخ سانديب: إياك أن ينطق لسانك عنها بسوء.
ونظر مرة أخرى لباب منزلها وقال: هذه الفتاة ستكون زوجة لي.
انتشر الخبر في القرية كما انتشار النار في الهشيم بأن القائد سانديب يريد أن يتخذ من كونرادين زوجة له، وما أن طرقت تلك المقولات أذني ريز حتى انتفض فزعًا،
وبسؤاله واستقصائه تأكد مما سمعه، احتل الاضطراب كيانه، فلقد سمع عن فظائع سانديب وجبروته ويعلم بأنه إن لم ينل كونرادين بالرضا كما يتمنى فسيأخذها بأي وسيلة كانت ولو أحرق الأخضر واليابس في سبيل ذلك.
وصل الخبر لمسامع كونرادين، سمعت شابين يقفان قريبًا من منزلها يتندران بذلك
قال أحدها: إن حظ هذه الفتاه التي تقطن بهذا المنزل حظ من نار، لقد اختارها القائد لتكون زوجته.
قال الآخر: هذا جيد فالآن ستأمن شره، يبدو أن أمها كانت تدعو لها فهو يريدها زوجه شرعية، فلو أراد لكان اقتحم دارها وأخذها عنوة.
اهتز جسدها في خوف، وما هي إلا ساعات قليلة ووجدت زهرة الحياة قابلة القرية تدق على بابها، فتحت الباب، لتدخل زهرة الحياة، خلعت البروكا والحزن بادٍ على وجهها، وفزعت أكثر حين رأت وجه كونرادين المكفهر والذي استحال للون الأصفر.
ارتمت كونرادين في حضن زهرة وأخذت تبكي بكاء مريرًا، وضعت زهرة يدها على فم كونرادين لتكتم صوتها وهي تقول بصوت منخفض:
اصمتي باركك الله، إن الجدران لها آلاف الآذان، إن رجاله في كل مكان.-
حاولت كونرادين السيطرة على نفسها وقالت: إذن لقد علمتِ بما يريده القائد.
فقالت في حزن: علمت ويا ليتني ما علمت، لقد كلفني أنا بإخباركِ أن تتحضري للعقد الاسبوع القادم، لأن لديه من الغد غزوة لقرية قريبة وسيعود بعد أسبوع و فور مقدمه سيتزوجك.
رفعت كفيها تدعو الله: يا الهي اكتب في قدره أن يقتل، أو يؤسر وأن لا يعود أبدًا.
صمتت زهرة قليلًا ثم قالت: وإن عاد ماذا سنفعل؟
نظرت لها كونرادين بفزع: كيف يا زهرتنا؟ انتِ تعلمين أني وريز تعاهدنا أمام الله أن نكون لبعضنا وكان سيذهب لخطبتي من شيخ القبيلة الشهر القادم حين ينهي تجهيز الدار.
صمتت زهرة وقالت: الهرب يجب أن تهربا.
قالت كونرادين: وكيف سيكون هذا؟ من سيتركنا نفعلها؟ لو نما لعلم القائد مجرد خبر فسيزهق أرواحنا جميعًا.
تنفست زهرة نفسًا طويلًا ثم قالت: لا عليكِ صغيرتي، أنتِ بمقام ابنتي، و لن أدع ذلك الظالم ينال منك أبدًا ولو وصل الأمر للتضحية بروحي.
دبرت زهرة وخططت، لقد كان الله بجوارهم، حالة ولادة لعمة ريز، تولتها زهرة بالطبع، اتفقت ساعتها معه على ما سيحدث، وكانت الفرصة سانحة فلقد علمت قبل ذهابها لتوليد عمته أن ابنتها المتزوجة بالعاصمة قد انجبت، فقررت أن تقدم لكل القرية طبق المانتو على البخار، ولكنها وضعت بذلك الطبق الذاهب لرجال الحراسة أعشاب منومة، وما أن سقطوا في النوم حتى أخذت كونرادين وانطلقت حيث اتفقت مع ريز على اللقاء، هربا تحت جنح الليل بسيارة ريز، لقد كان يقود بأقصى سرعة ليبتعد عن الرجال فأمامهم فترة كافيه فكونرادين لا تخرج من بيتها كل يوم فهي تساعد زهرة، وزهرة أعلنت أنها ستسافر لابنتها.
كتب لهما الله النجاة ومن بلد لبلد ظلا ينتقلان، حتى استقرا بأمريكا، وهناك ولدت الصغيرة أكان.
حين اكتشف سانديب هروب كونرادين هاج وماج لكن تحقيقاته لم تسفر عن شيء، فلم تكن زهرة قد وضعت المنوم للجميع فلم يتوصل لأي معلومات مفيدة،
لكن سانديب لم ينس الأمر وأقسم أن ينتقم من كونرادين.
مررت السنوات سريعًا وانحسر فيها نفوذ ط*ا*ل*ب*ا*ن وخرجوا من أف*غ*ا*ن*س*ت*ا*ن، توفي ريز ومن بعده كونرادين ليقرر عمها الذي كان يسكن معهم أن يعود مع ابنة أخيه لوطنهما بعد استقرار الأحوال هناك، كانت أكان أصبحت معلمة وتخصصت برياض الأطفال، وكان أملها أن تعلم الصغار.
عادت وافتتحت مدرسة في قريتها لتعليم الصغار، وعاشت أيامًا جميله يسودها الهناء والراحة، تعمل مع عمها في المدرسة وكانت علاقتهما بقائد الشرطة علاقة وثيقة وكم تمت استضافتهما في حفلات خاصة بالسفارات في انحاء الوطن، نمت مشاعر حب متبادلة بين أكان ونبيل ابن قائد الشرطة.
وما بين يوم وليلة تبدلت الأحوال وما كان مستحيلًا البارحة أضحضحى واقعًا مريرًا اليوم، لقد سيطرت ط*ا*ل *ب*ا*ن ثانية على مقاليد الحكم، كانت أكان تتابع في فزع ما يحدث على شاشة التلفاز وهالها مشهد تلك الطائرة التي حلقت وبداخلها يكتظ المئات من أبناء وطنها بشكل غير آدمي، وهي تطير معلنة الهروب من بين براثن المجهول ومنظر ذلك المسافر الذي كان متشبثًا بجسم الطائرة المعدني باحثًا عن مهرب من المجهول يسقط في الهواء ليرتطم بالأرض ويسقط صريعًا في الحال، لقد كان يهرب من بين براثن الموت لكنه سقط مباشرة بين أنيابه،
وبينما هي تشاهد هالها ذلك الصوت القادم من الخارج؛ لتنظر من نافذة منزلها وترى رتلًا من السيارات يقتحم القرية بالتوالي، وينزل منه قائدهم وورائه عدد كبير من الرجال المدججين بالسلاح، واللذين أمسكوا بكل من كان يتعاون مع الجيش أو الشرطة لتضع يدها على فمها تمنع نفسها من الصراخ فمن بين الرجال بالخارج كان عمها، ووالد حبيبها، وحبيبها، قاموا بصفهم في طابور أفقي وربطوا أيديهم من الخلف، ووقف الرجال من خلفهم استعدادًا لرشقهم بالنيران في ظهورهم، لتهرع مسرعة من باب المنزل، ذلك المنزل الذي كانت تسكنه والدتها فيما مضى وهي تصرخ باسم عمها.
قبل أن يأمر القائد بإطلاق النار فاجأته تلك الجميلة بملابسها الملونة الزاهية،
فرفع يده للرجال علامة على الانتظار بينما هي لاهثة الأنفاس
نظر لها متفرسًا، وقال: من أنتِ؟
ردت: أنا أكان ابنة ريز وهذا عمي، أرجوكم لا تقتلوه، لم يفعل شيئًا خاطئًا.
لم يكترث لما قالته بالأساس، كان نظره معلقًا بالمنزل الذي خرجت منه
قال: منزل من هذا الذي خرجتِ منه؟
- منزل أمي.
نظر لها بغضب وقال: أأنتِ ابنة كونردين؟!
قالت: نعم.
ففاضت نظراته بالكره والغضب، وأعطى إشارته للرجال بإطلاق النار، غطى صوت الرشاشات الآلية على صوت صراخها، وهي تصرخ ناعية رجالًا كانوا من أفافاضل الرجال، ولم تر منهم سوى كل الخير، كانت جريرتهم أنهم تعاملوا مع الجيش والشرطة.
وبينما لم ينقطع صراخها صاح القائد:
-لقد أردت فيما مضى الزواج بأمك، لكنها هربت مني، فضلت الخروج عن طاعتنا وأنتِ مثلها، تخرجين سافرة هكذا أمام الرجال لإغوائهم بملابسك الملونة هذه،
إنكِ فتنة سائرة على قدمين.
وصاح بأعلى صوته: يا رجال، ماذا نفعل بالغاوية؟
جاء الرد: نرجمها.
ابتسم حتى تكشفت أسنانه في جزل وقال: الأمر شورى وحكم الشورى نافذ، جهزوها للرجم.
حفروا حفرة ودفنوها بها حتى وسطها، وتجمع الرجال يقذفونها بالحجارة فلقد اعتبرها في حكم الزانية، ما دامت طالتها عيون الرجال ورجموها حتى الموت.
ومنعوا أي أحد من الاقتراب منها تركوها هكذا في العراء، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب، وانتهت حكاية أكان في وطن حلمت أن يضمها بسكينة، لكنه حتى لم يجرؤ على احتوائها تحت ثراه.
#نشوة_أبوالوفا
#nashwa_aboalwafa. ❝ ⏤nashwaaboalwafa
❞ قصة قصيرة
˝سنظل..˝
اليوم عادت أكان (أحمر عميق) لوطن لم تكبر فيه، وطن عاشت عمرها كله غريبة عنه، لكن والديها زرعا فيها حبه والتوق له، فلقد هاجر والدها ريز(الصيف) ووالدتها كونرادين (غير مطيع) منذ زمن هربًا من رجال ط*ا*ل*ب*ا*ن فلقد كان ريز ذو فكر تحرري مستنير لم يؤمن أبدًا بتلك المعتقدات المتشددة وكان واثقًا من سماحة تعاليم الإسلام وبأنه لم يكن أبدًا ليفرض هكذا ولا بتلك الطريقة التي يفعلها بها رجال تلك الحركة، فرضوا الأحكام الرهيبة ونفذوها، كانت مشاعر الحب بين كونرادين وريز متقدة، كانا عاشقين نيتهما الزواج، إلى أن جاء ذلك القائد سانديب(احتراق) وعسكر بالمدينة، وفرض الأحكام على الكل وفرض على النساء لبس البروكا(البرقع الأف*غ*ا*ن*ي) الأزرق وعلى الرجال ارتداء اليشمر(زي الرجال) وبينما كانت كونرادين تسير مضطربة الخطا في الشارع تحاول التمسك بالبروكا في ظل الهواء الشديد وهي تحدث نفسها (تبًا لهم أنا بمفردي لم أكن استطيع السير بالهواء، ليأتي هذا البروكا ليزيد اضطرابي)
فتحرك البروكا وكانت هي تحاول أن تعدل من وضعه، ليجذبه سانديب عنها ويكشف وجهها وهو يصيح (تحاولين إغواء الرجال يا امرأة! أيتها اللعينة..
لكنه لم يستطع إجمال كلماته فلقد أسره جمال كونرادين، وقف صامتًا يتأملها بينما ترتجف هي رعبًا، فلقد وصل لمسامعها بالطبع ما يفعلونه بالنساء المخالفات لهم ولتعاليمهم، وزاد رعبها وعيناها تتعلق بذلك الرشاش الآلي المعلق بذراعه، ومدت يدها تتوسله أن يعطيها البروكا
- صدقني أيها القائد لم أكن لأفعل ذلك أبدًا، إنه الهواء، وأنا ما زلت حديثة العهد بارتداء هذا البروكا، سامحني أرجوك.
ناولها إياه وهو صامت ولم تكن هذه أبدًا بعادته، تناولته منه في عجالة وارتدته،
أسرعت الخطا لمنزلها بينما يتابعها بعينيه، التفت وقال لأحد مساعديه:
- أسامة، أريد كل معلومات عن هذه الفتاة.
ابتسم أسامة ابتسامة خبيثه: لقد نالت من قلبك تلك الشمطاء.
صرخ سانديب: إياك أن ينطق لسانك عنها بسوء.
ونظر مرة أخرى لباب منزلها وقال: هذه الفتاة ستكون زوجة لي.
انتشر الخبر في القرية كما انتشار النار في الهشيم بأن القائد سانديب يريد أن يتخذ من كونرادين زوجة له، وما أن طرقت تلك المقولات أذني ريز حتى انتفض فزعًا،
وبسؤاله واستقصائه تأكد مما سمعه، احتل الاضطراب كيانه، فلقد سمع عن فظائع سانديب وجبروته ويعلم بأنه إن لم ينل كونرادين بالرضا كما يتمنى فسيأخذها بأي وسيلة كانت ولو أحرق الأخضر واليابس في سبيل ذلك.
وصل الخبر لمسامع كونرادين، سمعت شابين يقفان قريبًا من منزلها يتندران بذلك
قال أحدها: إن حظ هذه الفتاه التي تقطن بهذا المنزل حظ من نار، لقد اختارها القائد لتكون زوجته.
قال الآخر: هذا جيد فالآن ستأمن شره، يبدو أن أمها كانت تدعو لها فهو يريدها زوجه شرعية، فلو أراد لكان اقتحم دارها وأخذها عنوة.
اهتز جسدها في خوف، وما هي إلا ساعات قليلة ووجدت زهرة الحياة قابلة القرية تدق على بابها، فتحت الباب، لتدخل زهرة الحياة، خلعت البروكا والحزن بادٍ على وجهها، وفزعت أكثر حين رأت وجه كونرادين المكفهر والذي استحال للون الأصفر.
ارتمت كونرادين في حضن زهرة وأخذت تبكي بكاء مريرًا، وضعت زهرة يدها على فم كونرادين لتكتم صوتها وهي تقول بصوت منخفض:
اصمتي باركك الله، إن الجدران لها آلاف الآذان، إن رجاله في كل مكان.-
حاولت كونرادين السيطرة على نفسها وقالت: إذن لقد علمتِ بما يريده القائد.
فقالت في حزن: علمت ويا ليتني ما علمت، لقد كلفني أنا بإخباركِ أن تتحضري للعقد الاسبوع القادم، لأن لديه من الغد غزوة لقرية قريبة وسيعود بعد أسبوع و فور مقدمه سيتزوجك.
رفعت كفيها تدعو الله: يا الهي اكتب في قدره أن يقتل، أو يؤسر وأن لا يعود أبدًا.
صمتت زهرة قليلًا ثم قالت: وإن عاد ماذا سنفعل؟
نظرت لها كونرادين بفزع: كيف يا زهرتنا؟ انتِ تعلمين أني وريز تعاهدنا أمام الله أن نكون لبعضنا وكان سيذهب لخطبتي من شيخ القبيلة الشهر القادم حين ينهي تجهيز الدار.
صمتت زهرة وقالت: الهرب يجب أن تهربا.
قالت كونرادين: وكيف سيكون هذا؟ من سيتركنا نفعلها؟ لو نما لعلم القائد مجرد خبر فسيزهق أرواحنا جميعًا.
تنفست زهرة نفسًا طويلًا ثم قالت: لا عليكِ صغيرتي، أنتِ بمقام ابنتي، و لن أدع ذلك الظالم ينال منك أبدًا ولو وصل الأمر للتضحية بروحي.
دبرت زهرة وخططت، لقد كان الله بجوارهم، حالة ولادة لعمة ريز، تولتها زهرة بالطبع، اتفقت ساعتها معه على ما سيحدث، وكانت الفرصة سانحة فلقد علمت قبل ذهابها لتوليد عمته أن ابنتها المتزوجة بالعاصمة قد انجبت، فقررت أن تقدم لكل القرية طبق المانتو على البخار، ولكنها وضعت بذلك الطبق الذاهب لرجال الحراسة أعشاب منومة، وما أن سقطوا في النوم حتى أخذت كونرادين وانطلقت حيث اتفقت مع ريز على اللقاء، هربا تحت جنح الليل بسيارة ريز، لقد كان يقود بأقصى سرعة ليبتعد عن الرجال فأمامهم فترة كافيه فكونرادين لا تخرج من بيتها كل يوم فهي تساعد زهرة، وزهرة أعلنت أنها ستسافر لابنتها.
كتب لهما الله النجاة ومن بلد لبلد ظلا ينتقلان، حتى استقرا بأمريكا، وهناك ولدت الصغيرة أكان.
حين اكتشف سانديب هروب كونرادين هاج وماج لكن تحقيقاته لم تسفر عن شيء، فلم تكن زهرة قد وضعت المنوم للجميع فلم يتوصل لأي معلومات مفيدة،
لكن سانديب لم ينس الأمر وأقسم أن ينتقم من كونرادين.
مررت السنوات سريعًا وانحسر فيها نفوذ ط*ا*ل*ب*ا*ن وخرجوا من أف*غ*ا*ن*س*ت*ا*ن، توفي ريز ومن بعده كونرادين ليقرر عمها الذي كان يسكن معهم أن يعود مع ابنة أخيه لوطنهما بعد استقرار الأحوال هناك، كانت أكان أصبحت معلمة وتخصصت برياض الأطفال، وكان أملها أن تعلم الصغار.
عادت وافتتحت مدرسة في قريتها لتعليم الصغار، وعاشت أيامًا جميله يسودها الهناء والراحة، تعمل مع عمها في المدرسة وكانت علاقتهما بقائد الشرطة علاقة وثيقة وكم تمت استضافتهما في حفلات خاصة بالسفارات في انحاء الوطن، نمت مشاعر حب متبادلة بين أكان ونبيل ابن قائد الشرطة.
وما بين يوم وليلة تبدلت الأحوال وما كان مستحيلًا البارحة أضحضحى واقعًا مريرًا اليوم، لقد سيطرت ط*ا*ل *ب*ا*ن ثانية على مقاليد الحكم، كانت أكان تتابع في فزع ما يحدث على شاشة التلفاز وهالها مشهد تلك الطائرة التي حلقت وبداخلها يكتظ المئات من أبناء وطنها بشكل غير آدمي، وهي تطير معلنة الهروب من بين براثن المجهول ومنظر ذلك المسافر الذي كان متشبثًا بجسم الطائرة المعدني باحثًا عن مهرب من المجهول يسقط في الهواء ليرتطم بالأرض ويسقط صريعًا في الحال، لقد كان يهرب من بين براثن الموت لكنه سقط مباشرة بين أنيابه،
وبينما هي تشاهد هالها ذلك الصوت القادم من الخارج؛ لتنظر من نافذة منزلها وترى رتلًا من السيارات يقتحم القرية بالتوالي، وينزل منه قائدهم وورائه عدد كبير من الرجال المدججين بالسلاح، واللذين أمسكوا بكل من كان يتعاون مع الجيش أو الشرطة لتضع يدها على فمها تمنع نفسها من الصراخ فمن بين الرجال بالخارج كان عمها، ووالد حبيبها، وحبيبها، قاموا بصفهم في طابور أفقي وربطوا أيديهم من الخلف، ووقف الرجال من خلفهم استعدادًا لرشقهم بالنيران في ظهورهم، لتهرع مسرعة من باب المنزل، ذلك المنزل الذي كانت تسكنه والدتها فيما مضى وهي تصرخ باسم عمها.
قبل أن يأمر القائد بإطلاق النار فاجأته تلك الجميلة بملابسها الملونة الزاهية،
فرفع يده للرجال علامة على الانتظار بينما هي لاهثة الأنفاس
نظر لها متفرسًا، وقال: من أنتِ؟
ردت: أنا أكان ابنة ريز وهذا عمي، أرجوكم لا تقتلوه، لم يفعل شيئًا خاطئًا.
لم يكترث لما قالته بالأساس، كان نظره معلقًا بالمنزل الذي خرجت منه
قال: منزل من هذا الذي خرجتِ منه؟
- منزل أمي.
نظر لها بغضب وقال: أأنتِ ابنة كونردين؟!
قالت: نعم.
ففاضت نظراته بالكره والغضب، وأعطى إشارته للرجال بإطلاق النار، غطى صوت الرشاشات الآلية على صوت صراخها، وهي تصرخ ناعية رجالًا كانوا من أفافاضل الرجال، ولم تر منهم سوى كل الخير، كانت جريرتهم أنهم تعاملوا مع الجيش والشرطة.
وبينما لم ينقطع صراخها صاح القائد:
- لقد أردت فيما مضى الزواج بأمك، لكنها هربت مني، فضلت الخروج عن طاعتنا وأنتِ مثلها، تخرجين سافرة هكذا أمام الرجال لإغوائهم بملابسك الملونة هذه،
إنكِ فتنة سائرة على قدمين.
وصاح بأعلى صوته: يا رجال، ماذا نفعل بالغاوية؟
جاء الرد: نرجمها.
ابتسم حتى تكشفت أسنانه في جزل وقال: الأمر شورى وحكم الشورى نافذ، جهزوها للرجم.
حفروا حفرة ودفنوها بها حتى وسطها، وتجمع الرجال يقذفونها بالحجارة فلقد اعتبرها في حكم الزانية، ما دامت طالتها عيون الرجال ورجموها حتى الموت.
ومنعوا أي أحد من الاقتراب منها تركوها هكذا في العراء، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب، وانتهت حكاية أكان في وطن حلمت أن يضمها بسكينة، لكنه حتى لم يجرؤ على احتوائها تحت ثراه.
#نشوة_أبوالوفا #nashwa_aboalwafa. ❝