❞ إعداد وحوار : علياء فتحي السيد
في إطار حرص مجلة إيڤرست الأدبية على تسليط الضوء على الأقلام المبدعة التي تُثري الساحة الأدبية بنتاجها الوجداني والفكري، نلتقي اليوم بالكاتب فتحي عبد الحميد، الذي خطّ لنفسه دربًا في عالم الكتابة، وجعل من اللغة العربية وطنًا يحتضن أحلامه وإبداعه. وفي هذا الحوار المميز، نقترب من عالمه الإبداعي لنكتشف أسرار قلمٍ كتب لنفسه المجد، وللكلمة مكانتها الرفيعة.
ـ بدايةً، حدثنا عن نفسك بإيجاز.
اسمي فتحي عبد الحميد حافظ،
وأبلغ من العمر أربعين عاماً.
أفتخر بكوني صعيدي الأصل والمنبت، حيث كانت محافظة المنيا منطلق نشأتي وترعرعي، غير أنني أُقيم بشكل مستقر في القاهرة منذ أكثر من سبعة عشر عاماً.
مسيرتي الأكاديمية متنوعة وراسخة .فأنا حالياً مسجل لدرجة الدكتوراه في القانون العام بجامعة الإسكندرية، وحاصل على ماجستير في القانون العام والعلوم الإدارية من جامعة القاهرة، وقبل ذلك، حصلت على ليسانس الحقوق من جامعة بني سويف بعد أن كانت بدايتي في جامعة أسيوط.
وإلى جانب دراستي للقانون، أوليت اهتماماً خاصاً باللغة، فدرست الإنجليزية وحصلت على دبلوم عام تخصص في الترجمة القانونية من إحدى معاهد اللغات فضلا عن دراسات اكاديميه بجامعة القاهرة،
إضافة إلى دراسات حرة في الصحافة والإعلام.
مهنياً، عملت في القطاع الصحفي والإعلامي وتدرجت في مناصب متعددة به . فكنت محرراً وصحفياً في العديد من الجرائد الورقية والإلكترونية ، وممثلاً رسمياً لاحداها بوزارة العدل المصرية، ومديراً لتحرير جريدة ثانية ، ومديراً للعلاقات العامة والتسويق لثالثة، ومشرفاً عاماً على اخرى ، قبل أن أتفرغ للكتابة وعملي الخاص في المجال القانوني والقطاع الخاص عامة.
كما أتشرف برئاستي لمجلس إدارة إحدى الجمعيات الأهلية ورئاسة لجنة التخطيط بأحد الاتحادات النوعية، وعضويتي في عدد من كيانات المجتمع المدني. ورغم كل هذا النشاط المؤسسي، لا يستهويني العمل الحزبي ولا أحبذ الانخراط في دهاليز السياسة، مفضلاً الاكتفاء بالعمل الميداني والانشغال بالقانون والأدب والواقع المجتمعي من خلال بعض الكتابات الصحفية .
ـ كيف اكتشفت شغفك بالكتابة؟ ومتى بدأت أولى خطواتك في هذا المجال؟
لم يكن اكتشاف الشغف حدثاً عارضاً، بل كان تراكماً شعورياً وفكرياً. أظن أن البداية الحقيقية كانت في مرحلة الطفولة المبكرة، حين كانت القراءة ملاذي الأول. أدركت أنني أميل إلى صياغة مشاعري وأفكاري بطريقة مُختلفة عما يفعله أقراني. فبدأت اكتب الشعر منذ طفولتى .
كما كنت عضوا فى جميع مراحل دراستى باللجان الثقافية والصحافية بداية من الإذاعة المدرسية حتى الأسر الطلابية ولجان الصحافة بالجامعة .
أما الخطوات الجادة، فقد بدأت فيما بعد مرحلة التخرج ، تحديداً مع كتابة المقالات الأبية والصحافية وتميزت فى الكتابة النثرية والأدب الساخر ، ثم تطورت تدريجياً إلى محاولات في القصة والرواية، حتى نشر أول عمل لي في جريدة الحياة المصرية ثم بدأت تعاملاتى مع دور النشر فى باكورة أعمالى والتى كانت بعنوان حكاوينا ثم كراكيب حتى أتقنت الكتابة بشكل أكثر احترافية فكانت اعمالى الرسمية .
ـ حدّثنا عن أبرز أعمالك الأدبية أو مشاركاتك التي تعتزّ بها.
مسيرتي الأدبية تتسم بتنوع العطاء، بين الشعر والنثر والرواية والدراسات التخصصية، وهذا التنوع هو ما أعتز به حقاً.
في مجال الشعر، لدي ديوانان لهما خصوصيتهما:
“حتى إشعار آخر ” الذي كتبته بلغة الشعر العامي لأقترب من نبض الشارع وهمومه اليومية، و”رباعيات روحانية ” الذي كتبته بلغة عربية فصحى، وفيه محاولة للسمو الروحي والفلسفي.
أما في النثر الفكري، فيبرز كتاب ” حتى إذا بلغ الأربعين ” ، وهو بمثابة رحلة حياة متكاملة ، حيث أُحلل مرحلة العقد الرابع، التي أراها ربيع العمر وعمر الفرصة الثانية، لا أزمة منتصف العمر كما يشاع، متناولاً هذه المرحلة بمنظور ديني وفلسفي ونفسي واجتماعي شامل.
وهناك كتاب ” الأب الروحي ” ، وهو مشروع فكري واجتماعي عميق موجه للفتيات بشكل خاص، ليكون بمثابة أب بديل يقدم لهن التجارب والأفكار والنصائح الفلسفية والنفسية، وللرجال أيضاً لفهمهن وتقديرهن .
وفي الرواية، أصدرت ‘سيكيورتي’، وهى رواية دراماتيكية تدور أحداثها من واقع الحياه اليومية ومعاناة الشباب فى البحث عن فرص عمل مناسبة بينما الواقع يفرض عليهم ما لا يرقى لحقوقهم فتكون اوجاعهم جزءا من حياتهم التى يجبرون عليها دون رغبة .
ورواية ‘أبواب الحساب المغلقة’ التي تنتمي لأدب الواقع المعاصر وتسلط الضوء على عوار قانون الأسرة المصري.
كما أنجزت رواية ” نفرات ابنة السر المقدس ” التي كانت تجربة فريدة لكونها رواية ثنائية اللغة
(إنجليزي/عربي).
ولا أنسى كتابي التخصصي ‘قصة المحاماة’ الذي يتناول هذا الكيان القانوني من نشأته حتى يومنا هذا .
ـ ما هو العمل الأدبي الذي تعتبره الأقرب إلى قلبك حتى اليوم؟ ولماذا؟
كل عمل أكتبه هو قطعة من الروح، لكن رواية ‘إلى أمل’ تحتل مكانة خاصة ومقدسة في قلبي. ربما لأنها كانت بمثابة متنفس حقيقي لصياغة قضايا إنسانية عميقة ذات أبعاد شخصية وفلسفية. الكتابة عنها كانت رحلة اكتشاف وتصالح. فكانت رواية ٱلى أمل هي العمل الذي أجد فيه أصدق تعبير عن همومي الفكرية، وكانت كتابتها مفعمة بالانفعالات الصادقة والبحث عن نور في عتمة الواقع، وهذا ما جعلها الأقرب إلى نفسى .
ـ هل الكتابة بالنسبة لك هواية أم وسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار؟
في البداية، قد تبدو هواية، لكنها سرعان ما تتجاوز هذا التعريف لتصبح ضرورة وجودية ووسيلة للتعبير الأصيل.
الكتابة بالنسبة لي هي لغة تواصل مع ذاتي أولاً ومع العالم الخارجى ثانياً.
هي آليتي لفهم تعقيدات الحياة، ومنفذي لصهر الفوضى الداخلية في بوتقة اللغة، وتحويلها إلى نظام فني مدرك.
هي ليست مجرد تنفيس، بل حرفة بناء فكري وجسر إنساني يربطني بالآخرين عبر تقاسم التجارب والرؤى .
ـ من هم الأشخاص أو الكتّاب الذين تركوا أثرًا في مسيرتك الأدبية؟
مما لا شك فيه أن مسيرتي الأدبية والمعرفية التى مازالت بسيطة وفى بدايتها هي نتاج تراكم تربوى وثقافي واسع ومتشعب ، وليست وليدة تأثير لحظى أو فردي بعينه.
ولكن، الحق يقال، إنني أُقر بأن التأثير الأعمق والأكثر رسوخاً جاء من أشخاص عاديين ليسوا بكتاب، فهم من صقلوا الروح وزودوها بوقود التجربة الإنسانية الخام.
على رأس هؤلاء كان أبي، رحمة الله عليه، هو المعلم الأول . ذلك الرجل الذي علمني وتحملني وجاد بما له لي، ثم فارقني دون أن يهنأ بي، فكان هو الأثر الأول والأخير في بناء شخصيتي وتكويني.
ويأتي بعد ذلك تأثير كامل أسرتي، وكل من تعاملت معهم عن قرب. تعلمت منهم جميعاً، سواءً كان أثر الوفاء أو الجفاء . فكلاهما كان علماً قائماً بذاته.
وكما يقول المثل: ” تألمت فتعلمت ” .
أما على صعيد الكتاب، فلطالما أخذت من رواد وفقهاء وأساتذة إجلاء في كل مضمار من مضامين كتاباتي المتنوعة
(الأدبية، القانونية، الصحفية). العطاء المعرفي واسع، وما زلت أتعلم من الجميع، إذ لا يوجد أحد كبير على العلم ولا نهاية لطلب المعرفة والإفادة .
ـ برأيك، ما هو التحدي الأكبر الذي يواجهه الكاتب في عصرنا الحالي؟
أرى أن التحدي الأكبر ليس في الكتابة ذاتها، بل في صناعة القارئ والكلمة الصادقة .
نحن نعيش في عصر فيض المعلومات والسرعة الرقمية، حيث المنافسة شديدة بين الكتابة الجادة والسطحية، وبين النص العميق ومحتوى اللحظة السريع.
التحدي هو كيف يحافظ الكاتب على رصانته وعمقه ويجد طريقه إلى قلب وعقل القارئ، وسط هذا الضجيج.
كيف يضمن الكاتب أن نتاجه سيكون له صدى حقيقي يتجاوز التفاعل العابر والسطحى .
ـ كيف ترى العلاقة بين القارئ والكاتب؟ وهل تحرص على التواصل مع قرّائك؟
العلاقة بين القارئ والكاتب هي علاقة تفاعل إبداعي لا ينتهي. فالقارئ هو شريك الكاتب في إكمال المعنى، وهو الذي يعيد بعث النص ويمنحه حياة جديدة من خلال تأويله وتلقيه.
الكاتب يزرع الفكرة، والقارئ يسقيها بخياله ووعيه.
نعم، أحرص بشدة على التواصل مع قرائي رغم انى لا أجزم بتحقق الإنتشار المستحق لى حتى أقول لفظة قرائى بشكلها المفترض ولكنى أسعى للأفضل دائما
ومع ذلك ووفقا لتواجدى بعدد من مواقع التواصل والمنصات الأدبية والمواقع الصحفية فضلا عن الورقية منها وكذلك دور النشر المتعامل معها احرص على أن أتابع آراء القراء واستفساراتهم وكثيرا ما تضيء لى جوانب من النص قد أغفل عنها ، كما أنها تُشكل دافعاً قوياً للاستمرار والارتقاء .
ـ ما هي أحلامك المستقبلية على المستوى الأدبي؟ وهل هناك مشروع جديد تعمل عليه؟
أحلامي فى الحقل الأدبى تتمركز حول إثراء المكتبة العربية بأعمال تجمع بين المتعة الأدبية والعمق المعرفي والفلسفي.
حالياً، أركز جهدي على مشروعين متوازيين: الأول هو كتابة مجموعة قصصية جديدة أحاول فيها التكثيف الفني والتعبير عن لحظات عابرة ذات دلالات كبرى.
أما الثاني والأكثر أهمية لي حالياً فهو مشروع كتاب قانوني تخصصي، آمل أن يمثل إضافة حقيقية في مجاله المعرفي .
ـ ما النصيحة الذهبية التي تقدّمها لكل شخص يمتلك موهبة الكتابة ويرغب في تطويرها؟
النصيحة الذهبية للكاتب هي: اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ … بوعي، واكتب بصدق، وعش بتعمق .
القراءة هي الزاد الذي يغني المفردة ويوسع الأفق، ولا تقرأوا فقط في مجالكم. بل كونوا واسعى الأفق.
أما الصدق، فهو أن تجعل من قلمك مرآة لروحك، بعيداً عن التكلف. والأهم هو التعمق في الحياة، فالكتابة الجيدة هي خلاصة تجربة حياة غنية بالتأمل والملاحظة.
التزموا بـ المراجعة الدقيقة، ولا تخافوا من التعديل والحذف، فالفن يكمن في إتقان الصنعة.
كما أود أن أضيف نصيحة أخرى موجهة إلى دور النشر، وهي ضرورة أن ينتقوا الكلمة الطيبة التي تضيف بالإيجاب وليس الكلمة التي تنقص من الوعي.
يجب ألا يكون هدفهم مقتصراً على الربح المادي على حساب الفكر والوعي والثقافة التي يحملون مسؤوليتها على عاتقهم.
وفي الوقت نفسه، أحيي وأُشيد بدور النشر التي تقوم بعمل مسابقات أدبية للنشر المجاني للأعمال الفائزة، فهذه الدور تؤمن برسالتها السامية وتتحمل مسؤوليتها الأدبية تجاه إثراء المشهد الثقافي بحق .
ـ في ختام هذا اللقاء، ما الكلمة التي تودّ توجيهها للمجلة وقرّائها؟
أتوجه بخالص الشكر والتقدير لمجلة إيڤرست الأدبية على هذه الاستضافة الكريمة والجهد المقدر الذي تبذلونه في إثراء المشهد الثقافي وتسليط الضوء على الإبداع الحقيقي.
أما قراء المجلة الكرام، فأنتم الروح التي تسري في جسد النص. استمروا في البحث عن الكلمة المضيئة والفكرة النبيلة.
شكراً لكم على وقتكم وحسن إصغائكم، وكونوا دائماً بالقرب من صفحات الكتب التي تفتح آفاقاً جديدة للوعي . ❝